مشاركات القراء

اتبعوا أحلامكم ، آمنوا بأنفسكم ولا تستسلموا

13-06-2010

كلمات العنوان لمقالي هذا ليست كلماتي ... فأنا لا أزعم أن في قدرتي صياغتها بهذا الروعة ... إنها كلمات ربما بدأت مشوارها ليست أكثر من عرائس لا روح فيها ككثير من الكلمات التي تقال في كثير من ألأحيان ... لكنها لم تبق كذلك أبدا ...

 لقد تحولت هذه الكلمات  في لحظة من لحظات هذا الزمان إلى قوة جارفة زرعت الحياة في الكثير ممن ماتت قلوبهم ، وتبلدت مشاعرهم وقست أفئدتهم وغلظت أكبادهم ، لا لسبب إلا لأن صاحبة هذه الكلمات قد دفعت روحها دفاعا عن قناعاتها ، وذودا عن حياض إيمانها بحرية  وكرامة الإنسان ، خصوصا الإنسان الفلسطيني الذي عايشته لفترات طويلة لمست خلالها عمق المأساة التي يعيشها ، وبشاعة الجريمة التي ارتكبتها إسرائيل في حقه وما تزال ...

صاحبة هذه الكلمات ليست عربية ولا مسلمة ، لكن العروبة تفخر بأن تنتسب إليها ، والإسلام يعتز بانتمائها إلى مبادئه ،  وبسجلها الحافل بعظيم عطائها من أجل مبادئ الحرية والمساواة والأخوة والعدالة ، وهي القيم التي ما جاء الإسلام إلا من أجل تحقيقها في حياة العالمين ، كل العالمين من غير استثناء ... إنها كلمات الناشطة / الإنسانة ( ريشيل كوري ) ... قد لا يعني هذا الاسم شيئا لمن يجهل عطاءها وتضحياتها ، لكني لا أعتقد أن فلسطينيا هنا في الوطن السليب أو هنالك في أي مكان في الشتات ، إلا ويعرف هذا الاسم ، ويعترف لصاحبته بالجميل الذي قَصَّرَ في أدائه الكثير من أبناء الأمة من المحيط إلى المحيط ...

 

جاءت ( راشيل كوري ) من بعيد ... بعيد جدا ... من قلب الولايات المتحدة الأمريكية حيث الولاء الأعمى لإسرائيل ، والانحياز غير المحدود لسياساتها الظالمة ... حيث التغطية المنهجية على جرائمها ضد الإنسانية وعلى ما ارتكبته من فظائع مروعة ضد الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع والقدس والشتات ...  حيث اللوبي اليهودي الذي حول أمريكا إلى خادمة مطيعة ذليلة تسعى إلى خدمة الأطماع الإسرائيلية ولو على حساب دافع الضرائب الأمريكي ، تماما كما تنبأ بذلك الرئيس الأمريكي ( جفرسون ) قبل قرون ...

 

رغم صغر سنها وقلة خبرتها وتجربتها ، إلا أن  فطرتها السليمة لم تحتمل هذا الظلم ، فرفضته ... رفضته في نفسها وفي عقلها وفي وجدانها ، إلا أن ذلك لم يطفئ نار الأسى في روحها الوثابة ، فسعت إلى البحث عن الطريق الذي تستطيع من خلاله عمل شيء ما  مهما كان متواضعا للتخفيف من معاناة الشعب الفلسطيني ... كان قطاع غزة بما يحمل من خلاصة ألم البشرية ومآسيها المكان الذي هوى إليه قلبها ، ولكن دون أن تعرف أنه سيكون الشاهد على ملحمة ستخط صفحاتها بدمها الزكي الذي سفكته جرافة إسرائيلية حاقدة في يوم ما من شهر آذار من العام 2003 ...  جاءت بقلبها الكبير الذي تأثر بما رأته من مشاهد النكبة المتدحرجة منذ العام 1948 وحتى اللحظة التي حطت بأقدامها الضعيفة على ارض قطاع غزة ، وكأني بها جاءت منساقة وراء نداء ضميرها لتكون تجسيدا لكل قيم الإنسانية التي لا ترضى بأقل من الموت في سيبل أن يحيى الآخرون ...             

 

لعل في قصة ( راشيل كوري ) ما يُطَمْئِنُ إلى أن الغرب ليس نسيجا واحدا في تعامله مع الشرق الإسلامي ومع قضاياه الساخنة وعلى رأسها  قضية فلسطين والتي هي أم القضايا بلا منازع ، والملف الأكثر خطورة على الإطلاق لما له من أثر على الاستقرار والأمن العالميين ما لم يجد طريقه على الحل العادل ،  وَلِمَا يرتبط به من فرقاء وأمم وشعوب ، وما تتشابك في فضائه من عوامل واعتبارات يتمازج فيها الفكري والسياسي والنفسي والديني والقومي ، حتى لتكاد لا تمسك بطرف من أطرافه حتى تُفْلِتَ منك أطراف وأطراف ... صحيح أن هنالك في العالم من يحمل العداء  ضد إسلامنا وقضيتنا ، وصحيح أيضا أن هنالك من يقع ضحية في شباك التغرير وعمليات غسل الدماغ ، فينقاد عن جهل في معركة يتحول فيها إلى وقود لتشغيل ماكينة جهات متنفذة ليست أكثر من مجموعة عوالق تعتاش على دماء المضللين ...  ذلك صحيح ، لكن من المهم أن نعلم أيضا أنه بقدر ما نحسن التصرف والتوجه إلى الآخر وإن كان في صف الأعداء ، وبقدر ما نعطي المثل والقدوة لما نحمل من دين وحضارة ، وبقدر ما ننجح في عرض مآسينا بالشكل المقنع ، سنحصد الدعم لقضايانا العادلة حتى في عكر دار من يحملون السيف في وجوهنا ...

 قصة الفتاة الأمريكية راشيل كوري ، ذكرتني بها سفينة المساعدات التي انطلقت مؤخرا من أيرلندا تحمل اسمها مع كمية من المعونات لأطفال غزة المحاصرة منذ أكثر من أربع سنوات ، والتي انتهى بها المطاف معتقلة في أيدي جيش الاحتلال الإسرائيلي مع تسعة عشر رجلا وامرأة من أحرار العالم حرمتهم إسرائيل من القيام بواجبهم الإنساني تماما كما حرموا ( راشيل كوري ) قبل سبع سنوات تقريبا ...  كما ذكرني بها فيلم وثائقي بثته الجزيرة يغطي زيارة  والدي الفتاة الأمريكية إلى مدينة رفح الفلسطينية ، ليشاهدا الموقع الذي سحقت فيه جرافة إسرائيلية جسد ابنتهم حتى الموت ، وليتبعا خطواتها خطوة بعد خطوة منذ وصولها إلى رفح  وحتى لحظة سقوطها وامتزاج دمائها بدماء من أحبتهم من الفلسطينيين ... لقد امتلأ الفيلم من أوله إلى آخره بالدموع ، ولكنه بلا شك مَثَّلَ في هذا الظرف بالذات وبعد أن قتلت إسرائيل من قتلت من المناضلين من أمثال ( راشيل كوري ) على ظهر سفينة ( مرمرة ) قبل أيام ، مثل تجديدا لحلف الدم بين المستضعفين ومحبي الحرية وعشاق الكرامة الإنسانية ... تَزاحُمُ الأحداث هذا يُدَلِّلُ أيضا على عملية تجديد للبيعة بين أحرار العالم من كل الملل والنحل ، تشهد عليه وتغذيه أرواح من سقطوا برصاص الغدر الإسرائيلي اليوم وبالأمس وغدا ...  


كانت ( راشيل كوري ) في الثالثة والعشرين من عمرها ... كانت إنسانة حتى النخاع ، فدفعتها إنسانيتها إلى ترك الأهل والوطن وأحلام الشباب ، وإلى أن تركب المخاطر والأهوال من أجل مسح دمعة طفل خائف في رفح ، وتهدئة روع امرأة فلسطينية لم تعرف طعم الحياة بعد أن فقدت الزوج والولد ، معتذرة ما وسعها ذلك لشعب فلسطيني شاركت دولتها وحكومتها ألأمريكية العظمى في ظُلْمِهِ حين قَدَّمَتْ الدعم اللامحدود لإسرائيل رغم ثبوت التهم ضدها بارتكاب الجرائم دون توقف ...  ما كانت ( راشيل ) تصدق حتى في أكثر أحلامها كابوسية أن الإجرام الإسرائيلي لن يفرق بين فلسطيني يدافع عن بيته الذي بناه على مدى ستين سنة من اللجوء ، وبين  من جاءت من ( الدولة الحليفة !!! ) للدفاع عن حق هذا اللاجئ في حماية ما نجح في إقامته بعد أن نكبته إسرائيل في بيته ووطنه ... لم تحسب حسابا إلى أن الكل في نظر إسرائيل سواء ، الفلسطيني ومن يقف معه حتى وإن كان أمريكيا أو فرنسيا أو بريطانيا أو ألمانيا ، أعداء لا تتردد إسرائيل في حصدهم إن وقفوا في وجهها ، وحالوا بينها وبين تحقيق أهدافها وأحلامها في تنفيذ ( الحل النهائي ) للقضية الفلسطينية ... لذلك سقطت ( راشيل ) كما سقط أبطال الحرية في ( مرمرة ) وغيرها ... سقطت ( راشيل كوري ) وهي تحاول منع بولديزر إسرائيلي من تدمير منزل عائلة صغيرة في رفح كل ذنبها أنها فلسطينية تعلمت الدرس من النكبة  فقررت الصمود والتحدي ولو بصدر عار مكشوف ، فخلط سائق الجرافة ( البطل !!! ) جسدها الغض بأكوام المنزل الذي تهدم ... أقام الفلسطينيون في ذات المكان نصبا تذكاريا يخلد هذه الملحمة ... ملحمة راشيل التي لو قُدِّرَ لها أن تكتب وصيتها ، لكانت هذه الكلمات التي تستحق أن تتحول إلى  نشيد وطني لكل أحرار العالم : ( اتبعوا أحلامكم ، آمنوا بأنفسكم ولا تستسلموا ... ) ... فلا نامت أعين الجبناء ...

التعليقات

 

أتصل بنا - للإعلان هنا - شروط الاستخدام
جميع الحقوق محفوظة لموقع
جلجولية .نت