
خمسة ألاف عام قد مضت ويافا هي يافا تسكن على ساحل البحر، لا تخاف من هدير أمواجه وإن علت وتجبرت وتكبرت فصخور الصمود والثبات مزقت مد البحر الهائج ذو الأمواج المتلاطمة وبعثرت أشلاءها ذات اليمين واليسار، خمسون قرنا قد خلت ويافا تحافظ على هويتها الكنعانية مخلصة وفية لأجدادنا الكنعانيين، خمس مائة عقد قد مرت ويافا تقول: "أنا جميلة بني كنعان، أنا عروس البحر، أنا بوابة بيت المقدس، أنا لن أخون أنا لن أهون...".
وإن سألت يافا عن تاريخها يجيبك الميناء والبحر والثرى، يجيب ميناء يافا بوقار الشيخ العجوز: "قد رست في حجري السفن الدخيلة القادمة من كل حدب وصوب الطامعة بأرض الإسراء المباركة، ورفضت أن أكون إلا لصيادي يافا"، وأما البحر يدلي بشهادته على العصر:" حملت على متن أمواجي أقواما كثيرة منها الفراعنة والإغريق والأوروبيين وغيرهم كثر، وما لبثت إلا وأن حملتهم خائبين خاسئين إلى مرافئ بلادهم"، وأما لثرى يافا حكاية طويلة يلخصها بهذه الكلمات:" أنا من زرعني أجداد العرب برتقالا فتوغلت جذورها في أحشائي، أنا من سكنت ترابي مقابر يافا وعاش وسيعيش على أرضي أهل يافا، أنا من كرمني الله عز وجل أن أحمل على كاهلي مساجد يافا فترفع الآذان موحدة لله الذي داول الأيام بين الناس".
واليوم وقد وطأت "أم الغريب" أقدام غريبة للغاية لن نجد لها أدنى أثر في باطن يافا، والأغرب من ذلك أن القوم ينادون بأصوات غريبة ينكرون فيها عراقة يافا وماضيها الحافل، ويحاولون بما ملكت أيمانهم طمس حاضر يافا وتغيير واقعها، فيريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم يطالبون بخرس أصوات المآذن ولكن الله متم نوره ولو كره الكافرون، يزعجهم صوت الآذان وكذلك أجراس الكنائس لأنها تدل على هوية الأرض وساكنيها.
ولهؤلاء أقول: "إن في يافا لا تستطع قوى الظلام مجتمعة أن تخرس صوت الحق وأن تحجب نور الحرية، شرفني الله عز وجل أن تكون يدي ضمن السواعد المتوضئة التي دخلت مسجد السكسك محررة وفاتحة في أواسط حزيران الماضي، هناك قد أخرجنا مخلفات ذاك الزمن الذي سكت فيه المؤذن، أخرجنا نفايات ستة عقود وسنة ولن نرضى أن تعود أبدا بكل صورها وأشكالها، لن يسكت المؤذن ولن تسكن الأجراس ولمن يملك قلب يغذيه الحقد الأسود ويرفض أن يتعايش مع هذا الواقع التاريخي والحالي والمستقبلي فلينزح عن يافا ويرحل فارا من واقعها وليشرب كثيرا من بحرها، ففي يافا كان لنا الماضي، واليوم لنا فيها الحاضر، وغدا لنا فيها المستقبل إن شاء الله".